وهبة الزحيلي

183

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

1 - لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم ، بل هو شر لهم ؛ لأنهم ببخلهم يعرّضون أموالهم للضياع والتلف والسرقة وغيرها ، ويضرون أمتهم لتقصيرهم بما يجب عليهم من التكافل الاجتماعي والتعاون على القضاء على ظاهرة الفقر ، والفقر يضر بالأمة جمعاء ، وحياة الأمم متوقفة على بذل النفس والمال . والفرق بين البخل والشح : أن الأول : هو الامتناع من إخراج ما حصل عندك ، والثاني : الحرص على تحصيل ما ليس عندك . والصحيح أن الشح هو البخل مع حرص ، لما رواه مسلم عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اتقوا الظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح ، فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم » . 2 - وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يدل على بقاء اللّه تعالى ودوام ملكه ، وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين ، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم ، فتبقى الأملاك والأموال لا مدّعى فيها ، فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق ، وهو ليس بميراث في الحقيقة ، لأن الوارث في الحقيقة : هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل ، واللّه سبحانه وتعالى مالك السماوات والأرض وما بينهما . ونظير هذه الآية قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [ مريم 19 / 40 ] والمعنى في الآيتين : أن اللّه تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا للّه تعالى ، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا . 3 - علم اللّه تعالى واسع ودقيق ، فهو يعلم صغار الأشياء والأعمال وكبارها ، ويعلم ما دقّ وخفي من الأعمال ، بل يعلم السر وأخفى ، فيجازي كل عامل بما عمل ، ويكافئه بحسب نيته ، كما جاء في الحديث المشهور عن عمر لدى الشيخين : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » .